الشيخ علي النمازي الشاهرودي
350
مستدرك سفينة البحار
وعن راغب الأصفهاني كلام حسن في هذا المقام ، قال : من كان قصده الوصول إلى جوار الله والتوجه نحوه ، كما قال تعالى : * ( ففروا إلى الله ) * ، وكما أشار إليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بقوله : سافروا تغنموا ، فحقه أن يجعل أنواع العلوم كزاد موضوع في منازل السفر فيتناول في كل منزل قدر البلغة ، ولا يعرج على تفصية واستغراق ما فيه ، فإنه لو قضى الإنسان جميع عمره في فن واحد لم يدرك قعره ولم يسبر غوره وقد نبهنا الباري تعالى على ذلك بقوله : * ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) * . وقال بعض الحكماء في ذلك : " إن الشجرة لا يشينها قلة الحمل إذا كانت ثمرتها يانعة " . ويجب أن لا يخوض في فن حتى يتناول من الفن الذي قبله بلغته ، ويقضي منه حاجته . فازدحام العلم في السمع مضلة للفهم ، وعليه قوله تعالى : * ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ) * أي لا يجاوزون فنا حتى يحكموه علما وعملا . ويجب أن يقدم الأهم فالأهم من غير إخلال بالترتيب ، وكثير من الناس ثكلوا الوصول بتركهم الأصول . وحق الطالب أن يكون قصده من كل علم يتحراه التبلغ به إلى ما فوقه حتى يبلغ به النهاية ، والنهاية هي معرفة الله سبحانه ، فالعلوم كلها خدم لها وهي حرة . وروي أنه رأى صورة حكيمين من الحكماء في بعض مساجدهم وفي يد أحدهما رقعة فيها : إن أحسنت كل شئ فلا تظنن أنك أحسنت شيئا حتى تعرف الله ، وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء . وفي يد الآخر : كنت قبل أن عرفت الله أشرب وأظمأ حتى إذا عرفته رويت بلا شرب ، بل قد قال تعالى ، ما قد أشار به إلى ما هو أبلغ من حكمة كل حكيم : * ( قل الله ثم ذرهم ) * أي أعرفه حق المعرفة . ولم يقصد بذلك أن يقول ذلك قولا باللسان اللحمي ، فذلك قليل الغنى ما لم يكن عن طرية خالصة ومعرفة حقيقية ، وعلى ذلك قال عليه وآله الصلاة والسلام : من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة . إنتهى .